*أنا و«خراء» أخي على الغريب!* *عكسر السير – غسان سعود* شاطئ البحر لي. كل القوانين الدولية والمحلية تؤكد ذلك. لكنني، بملء إر

عاجل

الفئة

shadow
*أنا و«خراء» أخي على الغريب!*

*عكسر السير – غسان سعود*

شاطئ البحر لي. كل القوانين الدولية والمحلية تؤكد ذلك. لكنني، بملء إرادتي، أود أن أدفع رسم دخول للشاطئ - الذي هو لي - إلى موظف الإستقبال في المجمع الذي «تسلبط» على شاطئ البحر وحقوقي والقوانين.
لي، أيضاً، حق بمدرسة وجامعة رسميتين تؤمّنان تعليماً متقدماً لأولادي، في مناخ إداريّ منضبط، وترفعان عن كاهلي عبء أقساط التعليم الخاص... لكنني لا أبالي بهذا الحق.
لا يهم كيف تأتي الكهرباء ومن أين وبأي كلفة وأي عدد فواتير، المهم أن المنزل «مشعشع»، والـ«آيسيات» تعمل في الخريف.
لي حق بالوصول إلى المعلومات عن تفاصيل الجباية في البلدية مثلاً وكيفية الانفاق، لكن «الريس» صديقي، وقد «قزّزت» الشرفة، وحوّلت الشارع العام قرب منزلي إلى موقف لسياراتنا الخمس، لذا لا تعنيني أي معلومات أو الحق في الوصول إليها.
طبعاً ثمة حق إنسانيّ آخر له علاقة بالمواصلات والنقل. لكن «المترو للهنود» (وإياك أن تخبرني عن حضارة الهنود أو ثقافتهم أو مستواهم التعليمي لأنهم يبقون هنوداً رغم كل هذه) و«القطارات للسيرلنكيين» و«الباصات للمصريين»، فيما نحن شخصان في المنزل لدينا خمس سيارات، لذا لا يعنيني الحق بالتنقل ولا سعر تنكة البنزين ولا زحمة السير ولا أين أركن السيارة.
الطريق العام عام، ويحق لي ركن السيارة مجاناً، لكن - ما لك ولي يا أخي - أنا متنازل عن هذا الحق لشركة الـ«فاليه» التي تضع عوائق على الطريق العام وتمنع الناس من ركن سياراتهم. وأنا يسرّني أن يفتح موظفوها لي الباب، ويرحّبوا بي، ويركنوا السيارة بالنيابة عني، ثم يهرعون لإحضارها مقابل خمسة دولارات أو عشرة أو عشرين.
الاستشفاء المجاني حق آخر لا أريده، ولا أريد من يتفلسف عليّ بأخباره. أحب أن أدفع للمستشفيات، ولا أبالي إذا كان الدواء في لبنان أغلى من اي مكان آخر في العالم. ولا تهمني محاسبة، أو عدم محاسبة، من كانوا يستبدلون أدوية السرطان بمياه ملوّنة، و«آخر همي» إذا كان مرضى السرطان يجدون الأدوية المناسبة مجاناً في وزارة الصحة أو لا يجدونها. وأساساً لماذا هناك وزارة للصحة!
لا مشكلة لديّ أبداً في مصادرة المصارف للودائع، وتقسيطها لحقوق المودعين بالقطارة هنا وهناك؛ المهم أن شققنا جميلة وسياراتنا من أحدث موديل ونحن نسهر يومياً: نسهر صباحاً في مطعم الفول، ونسهر ظهراً في المسابح، ونسهر بعد الظهر في مطاعم الـSunset وليلاً في الـPubs وبعد منتصف الليل في الـNight clubs، وقد طورنا أسلوب الحياة هذا من نهايات الأسبوع قبل الأزمة إلى كل أيام الأسبوع خلال الأزمة.
لا يهم كيف ندخل الأموال! المهم أننا ننفقها. من أين؟ لا أحد يعلم.
لا يهم ماذا ننتج؟ المهم أننا نستهلك. حتى فخامة رئيس الجمهورية في حواره أول من أمس مع الصحافيين الاقتصاديين استبشر خيراً بالأوضاع الاقتصادية، ودليله أن أرقام الاستهلاك عادت لترتفع. نحن نستهلك، إذاً نحن بخير.
أولئك الغربيون البسطاء يهتمون بالطبيعة والأشجار (من كل عقلهم!) والمناخ، ويتحدثون في ما بينهم عن طبقة الأوزون، أما أنا - نحن فعقلنا كبير؛ أكبر من كل هذه التفاهات: لا يهمني أين أو كيف تطوّق بيروت من مدخليها بالنفايات طالما لا أرى ذلك. يمكن أن أشم الرائحة بين وقت وآخر، لكني غالباً ما أبقي نوافذ المنزل والسيارة مقفلة بإحكام من أجل المكيف، فلا أشمّ الرائحة. وكل ما لا أراه غير موجود بالنسبة لي.
صحيح، سمعت مرة تفلسفاً ونظريات ودراسات علمية عن نسبة المجارير في مياه الري، وأن البراز الطازج يشكل عنصراً أساسياً في سلتنا الغذائية، حيث تكاد لا توجد في السوق خضار لا تسقى بالمياه المبتذلة، لكنني - يا أخي - لا أشعر بمذاق الخراء في التبولة ولا باللوبية بزيت ولا بالفتوش الذي يلوّن موائدنا، ولا يعنيني بالتالي وجوده أو عدم وجوده طالما لا أراه أو أشمه.
سبق وقلت لك قبل عامين: لا يهمني إذا كانت مطحنة هذا الفرن أو ذلك تطحن الصراصير مع الدقيق، طالما أنا لا أرى الصرصور في الرغيف؛ وسأدافع عن الفرن بكل ما أوتيت من قوة طالما هو في منطقتي وصاحبه من طائفتي. سأدافع عنه وأواصل شراء خبزه لإطعام أولادي من صراصيره، لأن والدي علّمني أن أكون مع أخي وصراصيره على الغريب.
وها قد وصلنا إلى اليوم، وموضوع الساعة: لن أطالب الشركة بأن تلجأ إلى مختبر جدي موثوق أو أن تعالج الخلل لديها في حال وجوده؛ لا أبداً. سأدافع عنها وأواصل التلذذ بمياهها التي ترفع اسم بلدنا - مع خراء أو من دونه - وتؤمن مئات فرص العمل للموظفين فيها والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي الذين وصلت كل منهم خمسون دولاراً للدفاع عنها.
هذا أنا: «مواطن لبناني حر تعبان ع حاله، عجبك عجبك، وما عجبك... ما تشرب تنورين».

الناشر

1bolbol 2bolbol
1bolbol 2bolbol

shadow

أخبار ذات صلة